محمد سعيد رمضان البوطي

267

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج . . يا معشر قريش إن اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء . الناس من آدم ، وآدم من تراب ، وتلا قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ . ثم قال : يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم . فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء » « 56 » . وروى الشيخان عن أبي شريح العدوي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال فيما خاطب به الناس يوم الفتح : « إن مكة حرمها اللّه ، ولم يحرمها أناس ، لا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا ، فإن أحد ترخص لقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيها ، فقولوا له : إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهد الغائب » . ثم إن الناس اجتمعوا بمكة لمبايعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على السمع والطاعة للّه ورسوله ، فلما فرغ صلّى اللّه عليه وسلم من بيعة الرجال بايع النساء ، واجتمع إليه نساء من نساء قريش ، فيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لما كان من صنيعها بحمزة رضي اللّه عنها ، فلما دنون منه ليبايعنه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : تبايعنني على أن لا تشركن باللّه شيئا ، فقالت هند : واللّه إنك لتأخذ علينا أمرا ما أخذته على الرجال ، وسنؤتيكه ، قال : ولا تسرقن . قالت : واللّه إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة ، وما أدري أكان ذلك حلّا لي أم لا ؟ فقال أبو سفيان ، وكان شاهدا لما تقول : أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل . فقال عليه الصلاة والسلام : وإنك لهند بنت عتبة ؟ فقالت : أنا هند بنت عتبة ، فاعف عما سلف عفا اللّه عنك . قال : ولا تزنين ، قالت : وهل تزني الحرة ! . قال : ولا تقتلن أولادكن ، قالت : قد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا ، فأنت وهم أعلم . فضحك عمر من قولها حتى استغرب . قال : ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ، فقالت : واللّه إن إتيان البهتان لقبيح ، ولبعض التجاوز أمثل . قال : ولا تعصينني في معروف . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعمر : بايعهن واستغفر لهن رسول اللّه ، فبايعهن عمر . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه ، إلا امرأة أحلّها اللّه له » « 57 » . وروى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يبايع النساء بالكلام ، بهذه الآية : لا يشركن باللّه شيئا ، قالت : وما مست يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة

--> ( 56 ) وروى نحوه ابن سعد أيضا في طبقاته . ( 57 ) رواه ابن إسحاق وابن جرير .